حسن الأمين

191

مستدركات أعيان الشيعة

وأن الدافع إليه كان إرادة القضاء على الفساد الداخلي والظلم الخارجي والتدخل الأجنبي . وذكر أن ماضيه كان كفاحا وتضحية وإيثارا وصبرا على المشقات والمخاطر في سبيل إيران . وأنذر في آخر البيان الصحف بوجوب الكف عن البحث في موضوع الانقلاب . وكل صحيفة تخالف هذا الأمر تعطل ويعاقب صاحبها والكاتب فيها . ومن كان عنده اعتراض أو كانت في نفسه شبهة في موضوع الانقلاب فليرجع إليه شخصيا . هذا ما جاء في بلاغ « رضا خان » وزير الحربية . ولكن الجنرال « آيرن سايد » يقول في مذكراته إن المسبب الحقيقي للانقلاب إنما هو الحكومة الإنكليزية ، وأن المخطط الأصلي له إنما هو « آيرن سايد » نفسه ! وعلق أحد النواب واسمه « ضياء الواعظين » على بلاغ وزير الحربية بمقال في إحدى الجرائد خاطب فيه « رضا خان » قائلا : في بيانات إسفند الماضي ( شهر الانقلاب ) مواعيد وعدت بها الأمة الإيرانية . وإذ عرف اليوم المسبب الحقيقي للانقلاب فيحسن أن تفي بتلك المواعيد فيحمدك الناس . ونشر آخر في جريدة أخرى مقالا خاطب فيه « رضا خان » بقوله : « لست أنت من صنع الانقلاب . وإنما صنعه الإنكليز ونصرت الدولة . ولو لم تقدم أنت على ما أقدمت عليه لجاؤا بضابط آخر غيرك . وإذ كنت أعلم أنك ستعتقلني فانا أتوارى وأنت افعل ما شئت » . فاصدر « رضا خان » أمرا باعتقال كاتب المقالة ووضع جائزة مالية لمن يدل عليه . وتابعت صحف أخرى نشر مقالات تنتقد أعمال وزير الحربية وسلوكه وأفعاله غير القانونية . واشتدت الحكومة العسكرية بأخذ هؤلاء المخالفين بالتهديد والتوقيف والضرب والشتم . ونشرت في الثامن من رجب سنة 1340 ه‍ . ق . الموافق 17 إسفند سنة 1300 ه‍ . ش . بيانا شديد اللهجة توعدت فيه بكسر أقلام المخالفين وقطع ألسنتهم . وفي اليوم التالي نشر صحفي في جريدته مقالا عنيفا في انتقاد وزير الحربية وذكر ما ارتكبه من مخالفات للقانون . وفي عصر ذلك اليوم أرسل الحاكم العسكري بضعة جنود من القوزاق لاعتقال الكاتب وإحضاره إلى الثكنة . وإذ علم هذا بالأمر التجأ مع جماعة من رفاقه إلى السفارة السوفياتية . وبعد بضعة أيام نشر صحفي آخر في جريدته مقالا من هذا القبيل ونقل معه المقال الآنف الذكر . ثم ذهب مع آخرين من أصحابه إلى مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) فتحصنوا فيه . وهناك تحدثوا علنا بخطابات عنيفة هاجموا فيها « رضا خان » والحكومة . ثم انسلوا في السر من المقام ، إذ خافوا أن تطالهم هناك يد الحكم العسكري ، ولجئوا إلى السفارة السوفياتية . وهكذا اجتمع في هذه السفارة جماعة كبيرة من الصحفيين وطلاب الحرية ومعارضي « رضا خان » . وشرعوا في العمل على تحقيق مطالبهم وهي : رفع الحكم العسكري وعزل « رضا خان » وإنفاذ القانون الأساسي . والظاهر أن « رضا خان » خشي أن يعلق في الأذهان شيء من هذه الصيحة فأراد أن يبرئ نفسه . فدعا إلى منزله جماعة من العلماء رجال الدين ومن الوعاظ والخطباء في 21 رجب سنة 1340 ه‍ . ق . الموافق 29 إسفند سنة 1300 ه‍ . ش . وشرح لهم في حديث مطول ما قام به من خدمات لبلاده . وختم حديثه بقوله : والآن ، إذ أرى جماعة من المفسدين يحولون بيني وبين القيام بعمل لخدمة البلاد ، فقد عزمت على الاستقالة . وفي اليوم التالي اجتمع السفير السوفياتي بوزير الحرية فباحثه في شؤون الوضع الراهن وحرضه على إلغاء الحكم العسكري والكف عن حجز الحريات . فوعده بإجابة طلبه وعدا قاطعا . ( 1 ) ولكن « رضا خان » لم يلبث أن وجد عذرا للتفلت من وعده ومسوغا لإدامة الحكم العسكري . فقد وقعت فتنة بين المسلمين واليهود في طهران وعجز الحراس المعتادون عن قمعها حتى تدخل القوزاق بإرسال مائتين من جندهم فقضوا على الفتنة . فكان هذا الحادث حجة بيد وزير الحربية ، فلو أنه ألغى الحكم العسكري لاختل حبل الأمن وعجز الحكم المدني عن ضبط الأمور كما يجب . وفي 16 شعبان سنة 1340 ه‍ . ق الموافق 24 فروردين سنة 1301 ه‍ . ش . أرسل « رضا خان » وزير العدلية « عبد الحسين تيمور طاش » الملقب ب « السردار المعظم » الخراساني إلى السفارة الروسية ليقنع المتحصنين فيها بالحسني بمغادرة السفارة . ولكن المتحصنين رفضوا مغادرتها . وفي 19 شعبان ذهب « رضا خان » نفسه إلى السفارة الروسية وفاوضهم وقطع لهم عهدا بان يحقق لهم مطالبهم . وتم الاتفاق على أن يكتبوا تلك المطالب ويرسلوها إليه . ولكن « رضا خان » أبلغهم في 21 شعبان برسالة خطية أن البحث في مطالبهم يجري بعد مغادرتهم السفارة . فرفض المتحصنون هذا العرض . إلا أن نزاعا نشب بينهم بعد ذلك وغادر السفارة جماعة منهم .

--> ( 1 ) يحسن هنا أن نأخذ ما كتبه الشاعر الإيراني أبو القاسم لاهوتي الذي انضم إلى الشيوعيين فترة طويلة ثم خرج منهم وكتب مذكراته عن فترته الشيوعية التي صادفت بدء وصول رضا خان إلى السلطة من وزارة الحربية حتى العرش الإيراني . وقد ترجمت هذه المذاكرات إلى اللغة العربية وما نأخذه هو عن النص العربي المطبوع في بغداد سنة 1956 . قال لاهوتي في الصفحة 27 عن منظمة ( كي . بي . أو ) التي يقول أن مركزها كان في مدينة ( رشت ) وأنه كان لها مراكز سرية في طهران وقزوين . « كانت مهمة هذه المنظمات تنفيذ المقررات التي اتخذها الحزب ضد أشخاص معينين . ففي أوائل عهد ( رضا خان ) أيقن الحزب بان مجيء هذا الشخص إلى الحكم بمثابة تمهيد لحكومة اشتراكية ، لذلك أوعز الحزب إلى جميع المنظمات بان تتخذ الاجراءات الصارمة ضد جميع الأشخاص من [ البارريين ] البارزين الذين يعارضون رضا خان سواء أكانوا [ سباسيين ] سياسيين أو غير سياسيين . وهكذا نظمت قوائم وأضابير لهؤلاء الأشخاص فهددوا بالقتل إذا اقتضى الأمر وكان ( أحمد قوام السلطنة ) رئيس الوزراء حين ذاك أحد أولئك الذين وقعوا في فخ هذه المنظمات التي اتخذت تدابير صارمة ضد الأحرار والمعلمين الذين أبوا الانضمام إلى الحزب والقيام بالأعمال التي يراها الحرب ضرورية . اما الأسلوب الذي سارت عليه هذه المنظمات فهو تدبير مؤامرة للشخص وتوجيه تهمه التمرد على « رضا خان » إليه ثم إيداع آثار الجريمة المفتعلة إلى الشرطة السرية للقبض عليه والنيل منه ، وقد ذهب ( ميرزا عشقي ) الشاعر المعروف ضحية من ضحايا هذه المؤامرات . لقد كان ميرزا عشقي يتعاون مع عباس إسكندر يوم كان هذا الأخير يحرر جريدة ( [ سباست ] سياست ) إلا أن عشقي لم يكن ليرضخ للدعايات الشيوعية واستمر في مقاومتها . لذلك اتخذت شرطة رضا خان السرية المؤامرة المدبرة على عشقي حقيقة واقعة وقتلته « . ثم قال في الصفحة 40 « كان الزعماء السوفيات ينظرون إلى حكومة رضا خان في أول الأمر نظرة حسنة وذلك ما بين سنة 1922 - 1926 أي في أوائل أيام ارتقائه العرش ، وكانت الكتب المادية والديالكتيكية نادرة جدا في عهد الحكومة القاجارية كما كانت إيران في ذلك العهد نصف مستعمرة ، وما حصل فيها من تحولات كان لتغيير الحالة من ملوك الطوائف إلى رأسمالية المركزة ، ولهذا السبب كانت روسيا تنوي إحداث انقلاب في إيران باي شكل كان للحيلولة دون تحقيق هذا التغيير ، إلا أن روسيا كما تقدم نبا القول رأت أن الوضع في إيران لم يكن ليساعد على الانقلاب » . ولأبي القاسم لاهوتي آراء أخرى سنوردها فيما بعد .